أحمد بن محمود السيواسي
108
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ ) أي يصرف عنهم ( يَوْمَئِذٍ ) أي يوم قتالهم ( دُبُرَهُ ) أي ظهره منهزما ليلا أو نهارا ( إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ) نصب على الحال من الضمير الفاعل ، أي إلا منصرفا بعد الفرار يريد الكرة للقتال ، يعني بأن يخدعهم ويريهم الفرة وهو يريد الكرة ( أَوْ ) إلا ( مُتَحَيِّزاً ) من حازه يحوزه إذا ضمه ، وأصله متحيوز ، أي إلا منضما إذا كان منفردا من فئة هو فيها ( إِلى فِئَةٍ ) أي جماعة من أصحابه يمنعونه من العدو ( فَقَدْ باءَ ) أي رجع ( بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) أي باستحقاقه ( وَمَأْواهُ ) أي مستقره ( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [ 16 ] هي ، قال ابن عباس : « إن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر » « 1 » ، يعني به إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، قيل : « حكم هذه الآية عام في كل فار » « 2 » ، وقيل : « خاص بيوم بدر » « 3 » ، « لأنهم لم ينحازوا إلا إلى المشركين ، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم لينحازوا إليهم » « 4 » ، فأما بعد فالمسلمون فئة لكل فار فلا يكون كبيرة ، وقيل : هي منسوخة بقوله « 5 » « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ » « 6 » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 17 ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 ) قوله ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ) بقوتكم لضعفكم عن قتلهم ، نزل حين افتخروا بعد انهزام قوم بدر من المشركين بقولهم قتلنا فلانا وقتلنا فلانا نهيا عن الافتخار والإعجاب بأنفسهم « 7 » ، والفاء فيه في جواب شرط محذوف ، تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ( وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ) بنصره إياكم ، وذلك بانزال الملائكة وإلقاء الرعب في قلوبهم وتشجيع أنفسكم على القتال باذهاب الفزع والجزع عنكم ، روي : أن النبي عليه السّلام لما التقى الجمعان أخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها في وجوه الكافرين ، وقال : شاهت الوجوه فلم يبق كافر منهم إلا شغل بعينه فانهزموا فأتبعهم المسلمون بالقتل والأسر ، فقال لهم فلم تقتلوهم « 8 » ، وقال للنبي على السّلام ( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ) أي لم يفعل رميك بالكافرين ما فعلت بقوتك ، لأن قوة البشر لا تؤثر ذلك الأمر العظيم ( وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ) بفتح النون وتشديدها ، ونصب « اللَّهَ » ، وقرئ بكسرها والتخفيف ورفع « اللّه » « 9 » ، أي ولكن اللّه فعل الرمي وأثر رميته فيهم ليقهر الكافرين فأثبت الرمية للنبي عليه السّلام صورة ونفاها عنه حقيقة لضعف الطاقة البشرية عنها ، فكان الفاعل في الحقيقة هو اللّه تعالى ، قوله ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ ) عطف على « ليقهر » المقدر المذكور ، وهو من الإبلاء بمعنى الإعطاء ، أي ليعطي الموحدين باللّه ( مِنْهُ ) أي من فضله ( بَلاءً حَسَناً ) أي عطاء جميلا ، وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ) لدعاء الرسول عليه السّلام ( عَلِيمٌ ) [ 17 ] بنيته وبإجابة دعائه . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 18 ] ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) ( ذلِكُمْ ) أي البلاء الحسن ، خبر مبتدأ محذوف ، أي الغرض ذلكم ، قوله ( وَأَنَّ ) بالفتح مع ما بعده ، عطف على « ذلكم » ، أي والغرض أن ( اللَّهَ مُوهِنُ ) أي مضعف ( كَيْدِ الْكافِرِينَ ) [ 18 ] ببدر ، قرئ بالتخفيف والتشديد
--> ( 1 ) انظر الكشاف ، 2 / 160 . ( 2 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 609 - 610 ؛ وقال الحسن نحوه ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 . ( 3 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 . ( 4 ) عن أبي نضرة ، انظر السمرقندي ، 2 / 10 . ( 5 ) عن أبي أبي رباح ، انظر البغوي ، 2 / 610 ؛ وانظر أيضا النحاس ، 149 - 151 . ( 6 ) الأنفال ( 8 ) ، 66 . ( 7 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 2 / 610 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 11 . ( 8 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 2 / 611 . ( 9 ) « ولكن اللّه رمى » : قرأ الشامي والأخوان وخلف بتخفيف نون « ولكن » وكسرها وصلا ورفع لفظ الجلالة ، والباقون بتشديد النون وفتحها ونصب لفظ الجلالة . البدور الزاهرة ، 129 .